البقلاوةيتناول أصلها، مكوناتها، أنواعها، أهميتها الثقافية، وانتشارها في العالم:
البقلاوة إرث حلواني غني بالتاريخ والنكهة:
البقلاوة ليست مجرد حلوى تقليدية، بل هي لوحة فنية من رقائق العجين الرقيقة والمكسرات الغنية والشراب السكري العطري، تُحضَّر بإتقان وتُقدَّم في المناسبات الخاصة، كالأعياد والاحتفالات. وتُعدّ واحدة من أشهر وألذ الحلويات في العالم، حيث تنتشر في مطابخ الشرق الأوسط، والبلقان، وآسيا الوسطى، وشمال إفريقيا، وحتى بعض الدول الأوروبية. وتتنوع الروايات حول أصولها، كما تتعدد طرق تحضيرها ونكهاتها، مما يجعلها مثالاً على التعدد الثقافي في قالبٍ من الحلاوة.
أصل البقلاوة بين التاريخ والأسطورة:
يُعتقد أن البقلاوة نشأت في المطبخ العثماني، وتحديدًا داخل قصر طوب قابي في إسطنبول خلال القرن الخامس عشر، حيث كانت تُعدّ طبقًا مميزًا يُقدّم للسلطان والنخبة في المناسبات الرسمية، كرمضان وعيدي الفطر والأضحى. وكان الطهاة في القصر يتنافسون في إعدادها بأشكال فنية وإضافات فريدة.
غير أن بعض المؤرخين يرجعون أصلها إلى الآشوريين في القرن الثامن قبل الميلاد، حيث كانوا يضعون طبقات من العجين مع المكسرات والعسل، وهي فكرة بدائية للبقلاوة الحديثة. كما يعتقد البعض أن المطبخ البيزنطي ساهم في تطورها، لا سيما في استخدام العسل والمكسرات مع العجين.
مع توسّع الدولة العثمانية، انتشرت البقلاوة إلى البلدان التي خضعت للحكم العثماني، مثل بلاد الشام، ومصر، واليونان، ودول البلقان، فباتت كل منطقة تُعدّها بطريقتها، مضيفة لمسات محلية مميزة، مع الحفاظ على جوهرها.
المكونات الأساسية:
تتكون البقلاوة التقليدية من العناصر التالية:
-
عجينة الفيلو (أو الرقائق):
وهي رقائق رفيعة جدًا من العجين تُصنع من الطحين والماء والزيت أو السمن، ويجب أن تكون شديدة النحافة لدرجة الشفافية تقريبًا. -
المكسرات:
أشهرها الفستق الحلبي، الجوز، اللوز، أحيانًا يُضاف إليها البندق أو الكاجو. تُطحن المكسرات وتُخلط مع قليل من السكر والقرفة أحيانًا. -
السمن أو الزبدة:
تُستخدم لدهن كل طبقة من العجين حتى تصبح ذهبية ومقرمشة بعد الخَبز. -
القطر (الشيرة):
وهو شراب سكري يُحضّر من السكر والماء، غالبًا ما يُنكه بماء الورد أو ماء الزهر أو عصير الليمون، ويُسكب فوق البقلاوة بعد خروجها من الفرن.
طريقة التحضير:
تحضير البقلاوة يتطلب صبرًا ومهارة، ويُعدّ فنًا من فنون الحلويات الشرقية. يُفرد العجين في صينية مدهونة بالسمن، وتُوضع طبقات متعددة فوق بعضها، تُدهن كل طبقة بالسمن أو الزبدة. بعد نحو 10 طبقات، توضع طبقة من المكسرات، ثم يُعاد تغطيتها بطبقات أخرى من العجين.
تُقطع البقلاوة قبل الخَبز إلى أشكال ماسية أو مربعة باستخدام سكين حاد، ثم تُخبز في فرن متوسط الحرارة حتى تكتسب لونًا ذهبيًا. بعد إخراجها من الفرن، يُسكب عليها القطر البارد فورًا، وتُترك لتتشربه وتبرد قبل التقديم.
أنواع البقلاوة حسب البلدان:
تتعدد أنواع البقلاوة وتتنوع حسب المناطق والمكونات المستخدمة:
-
البقلاوة التركية:
تُحضَّر غالبًا بالفستق الحلبي، وتُشتهر في غازي عنتاب وإسطنبول. تكون خفيفة القطر ومقرمشة، وتُعدّ معيارًا عالميًا للبقلاوة الفاخرة. -
البقلاوة السورية:
تتميز بغناها بالفستق أو الجوز، وتُقطّع بأشكال فنية مثل الوردة أو القمع أو العش، وتشتهر بأسواق دمشق وحلب. -
البقلاوة اللبنانية:
تتميز بصغر حجمها وتنوع أشكالها، وتستخدم الزبدة البلدي والنكهات الشرقية كالمستكة وماء الزهر. -
البقلاوة اليونانية (Baklava):
تُحشى بالجوز، وتُنكّه بالقرفة والعسل بدل القطر، وتُعدّ أكثر سماكة من البقلاوة الشرقية. -
البقلاوة الجزائرية والمغربية:
تُحشى باللوز أو الجوز، وتُستخدم فيها نكهات مثل ماء الزهر أو القرفة، وغالبًا ما تُقدَّم في الأعياد والمناسبات.
البقلاوة والمناسبات:
ترتبط البقلاوة بالاحتفالات والمناسبات الخاصة في الثقافات العربية والشرقية، حيث تُقدَّم في الأعياد الدينية كعيد الفطر وعيد الأضحى، وفي الأعراس والولائم. وهي أيضًا رمز للضيافة، تُقدَّم للزائرين مع القهوة العربية أو التركية.
كما يتم تبادلها كهدية فاخرة في العلب المزخرفة خلال الزيارات الرسمية أو العائلية، لما تحمله من دلالة على التقدير والاحترام.
البقلاوة في العالم:
مع موجات الهجرة والانتشار الثقافي، وصلت البقلاوة إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا، وأصبحت تُباع في المتاجر الكبرى، كما توجد في قوائم الحلويات في المطاعم الفاخرة. وشهدت البقلاوة تطويرًا عصريًا، حيث أُضيفت إليها الشوكولاتة أو الكريمة أو الفواكه المجففة، لكن النسخة التقليدية لا تزال المفضلة لدى محبي النكهة الأصلية.
البقلاوة والإقتصاد:
في بعض البلدان مثل تركيا وسوريا ولبنان، أصبحت البقلاوة صناعة قائمة بذاتها، وتُصدَّر إلى مختلف أنحاء العالم. وتُعدّ مهنة "صانع البقلاوة" من المهن الرفيعة في عالم الحلويات الشرقية، حيث يتدرب فيها الطهاة لسنوات.
وفي الختام:
البقلاوة ليست مجرد حلوى تقليدية، بل هي مزيج من التاريخ والثقافة والذوق الرفيع. ترحل عبر الزمن والحدود، لكنها تحتفظ بروحها الشرقية وجذورها العميقة في مطابخ الأجداد. إنها سفيرة للمطبخ العربي والتركي، وقطعة حلوى تجمع بين الشعوب حول طاولة واحدة، تعبق فيها رائحة المكسرات والسمن وذكريات الماضي.




0 تعليقات